البارحة خرجت مع أخي في نزهة قصيرة، وأثناء عودتنا للمنزل، وقفت على الإشارة الحمراء في انتظار أن تفتح لأتابع مسيري. فجأة لم أر إلا طفل لا يجاوز العاشرة من عمره يقتحم خلوتنا في المركبة ويبدأ في الترجي "والتوسل" قائلاً: "مشان الله اشتري مني. خلي شعر البنات اللي معي يخلص علشان أروح." لسوء حظي البالغ، لم يكن معي أية فكة. حاولت إفهام ذلك الطفل الرث الهيئة، ذو الوجه المحروق من أشعة الشمس اللاهبة والمتسخ بما يجود به أنفه من كرامات، أنه ليس بحوزتي أي فكة. "والله كنت اشتريت منك، بس ما معي فكة."
أصر هذا الولد إصراراً، وألح إلحاحاً (على رأي عادل إمام في مسرحية شاهد ما شافش حاجة) أنني يجب أن أشتري منه شعر البنات، وسواءً أخذت بالفعل شعر بنات منه أم لم لا، فيجب أن أدفع، فالأتاوة قبل العلاوة (كما يقول الفتوات في مصر).
التصق الطفل الذي ليس معروف له أصل من فصل بنافذة السيارة. "اعطوني مصاري." ما هذه الورطة؟؟ أخذ أخي يقنعه أنه ليس معانا فكة. هل نعطي بائع شعر بنات متوسل عشرة دنانير مثلاً. يا للعجب!
الطفل لم يصدق، ولم يقتنع. وهنا حدثت الطامة الكبرى: فتحت الإشارة!
قلت للطفل ذو الوجه المتسخ: يا حبيبي والله ما معي فكة. خلص روح! ولكنه لم "يروح"، بل تشبت بالسيارة و ... مد قدمه تحتها قائلاً": "وهاي سأضع قدمي تحت عجل السيارة. إمشي لاشوف."
طبعاً لم أستطع الحراك قيد أنملة. وهنا انقلب السحر على الساحر، فمن كان يتوسلني كي أعطيه المال أصبحتُ أنا أتوسله (كي يحل عني). "ولك روح!" ولكن رجائي ذهب مع الريح، فالولد (تنح ابن تنح)، وأنا لا أريد أن أحمل جرم إيذائه، ذلك الإبن الضال الذي يمضي ليل نهاره في الشوارع بلا حسيب ولا رقيب سيصبح فجأة (الإبن الغالي) لدى أهله. طبعاً، فالتعويض ممكن أن يكون كبير جداً، جداً. مش ناقصني!
أخي استشاط غضباً وأراد أن ينزل من المركبة ليضرب الولد، أو ليبعده على أقل تقدير! سائق المركبة التي خلفنا تماماً كان يشاهد الموقف (بحزن على حالتي) ، وأنا أشكره جزيل الشكر لأنه لم (يخزق راسي) بالزامور كعادة عامة الشعب عندنا. بدأ سائقوا المركبات التي خلف السائق الذي خلفي يضيق خلقهم، وانهالت علي الزوامير (واللعنات ربما).
بعد مرور دقيقتين ثقيلتين من الرجاء والتوسل تارة، والعصبية تارة أخرى، تكرم صاحب الفخامة بائع شعر البنات المبجل وأزاح قدمه البهية من تحت العجل. تابعت مسيري بعصبية بالغة وضربت المقود بعنف بيدي. أخذ أخي في تهدئتي مع أنه هو نفس حرق أعصابه بائع شعر البنات ذلك.
يا رب ينقطع شعر البنات من البلد، وينقطعوا بائعي شعر البنات. بدناش شعر بنات. أنا من الآن فصاعداً سأكتفي بالترمس والدراي.